العودة تنعي الفنان المبدع بروفيسور شبرين وتنشر نبذة عن حياته العامرة بالفن والجمال

أحمد شبرين فنان رائد كان رسولا بين ثقافتين

استطاع عبر عقود من الزمن أن ينشئ أجيالا من الفنانين

مدرسة الخرطوم. التي أنشائها كانت تعي أن تكون فنانا سودانيا فذلك معناه أن تكون قادرا على المزج بين حضارتين

أحمد شبرين  وابراهيم الصلحي جمعتهما نزعة حداثوية استطاعا من خلالها أن يقيما جسرا بين ما هو عربي وما هو أفريقي

انفتح بالحروفية على قارة أوربا والتي صارت بسببه تعرف ما جماليات الحرف العربي. وهو ما لم يفعله أحد من الحروفيين الكبار 

العودة:-  ودعت البلاد قبل أيام قلائل  البروفيسور الفنان المبدع أحمد شبرين وبكاه أصدقائه وتلاميذه ومحبي فنه الذين تعدوا حدود السودان الي الوطن العربي وأفريقيا واوربا. وتدعوا صحيفة العودة للراحل المقيم بالمغفرة والرحمة وأن يجزية الله تعالي خير الجزاء لما قدم لوطنه وأمته  وتتقدم بالعزاء لاسرته و محبي فنه وتلاميذه في كل مكان.

نبذة عن حياة الراحل المبدع بروفيسور أحمد شبرين:

ولد أحمد شبرين عام 1931 في مدينة بربر. درس الفن في الخرطوم، ثم انتقل إلى لندن منهيا دراسته فيها عام 1960. يومها انخرط في التعليم الجامعي، الذي استطاع من خلاله عبر عقود من الزمن أن ينشئ أجيالا من الفنانين. 

ليس غريباً أن تصل الروح الإختبارية إلى مداها الأوسع، في تجارب أحمد شبرين وتشكل البيئة التي ولد فيها هويته وكانت انطلاقة  للبحث عن آثار المظاهر الإنسانية وتجذرها في الأمكنة، عبر تداخل العناصر الهندسية والزخرفية بتجلياتها اللونية، مع شرائط الكتابات العربية التي تذكر بالتمائم والتعاويذ والطلاسم والأدعية. فحضور المكان والعناصر الطبيعية البدائية المملوءة بالرموز الإنسانية يعكسها شبرين بتآليفه الأفقية والعمودية. فالأحزمة الكتابية تشبه حكايات الناس في بساطتهم وفطريتهم وأمثالهم وحكمهم، يرويها شبرين كمشاهدات يومية بأسلوب لوني متحرر ومركّب في آن ضمن تكاوين مبسّطة تستدعي ذاكرة بريئة لا تلبث أن تمتلئ بالإستعارات والتوريات. فتحضر ألوان الطين والحناء ويعطر الجو أنواع البخور والصندل، ضمن حركة التفاف ما هي إلا وسيلة للتعبير عن العلاقات الإجتماعية، وجزء منها عادات الناس وتقاليدهم وأمكنتهم وحيواناتهم الأليفة وآلاتهم وأدواتهم البسيطة، يتم التعبير عنها بمناخات احتفالية رائعة، حيث نسخ الكتابة وحركة تمددها، كأنها مفروشة على البسط والسجاجيد والجدران ومنسوجات الخيام، لا تلبث ان تتقاطع مع مساحات العيش المتموجة بالأهازيج الراقصة والتفاصيل الصغيرة المكوّنة من "موتيفات" نباتية وهندسية .. فالعين هنا إزاء لغة بصرية من إيقاعات تجريدية لونية حارة على طبيعة زنجية وحسّية، ما هي إلا لغة الشكل والحركة واللون، تلك التي تروّض الخيال حيثما ولّى وتبعث على الإيهام الشعري.

وجمالية هذه اللغة التشكيلية أنها تلقائية وطبيعية، صادقة وعميقة، سهلة وممتنعة، ولكنها أصيلة في انتمائها. لا تشخيصية في ظاهرها وإنسانية في مضمونها. فشبرين يبحث في تكاوين اللوحة المعاصرة، عن الطيف العاطفي الذي يستعيد من خلاله السلالات الأخيرة للكتابات العربية كموروث شعبي غني بتقاسيمه وزخارفه ومتونه وهوامشه، الكتابة المليئة بالغرابة والدهشة والمناخات السحرية، حيث الخربشات المبهمة والدلالات اللونية، كأنها هي حدود اللوحة وخضافها وخضمّها.

فالتأليف يجعل شرائط الكتابات تحتل الوسط الأفقي الذي تتعامد عليه شرائط الزخارف فتنهمر عليها وتدفعها إلى أقصى تموجاتها وحركاتها. وأحياناً ترتفع اللغة التصويرية الرمزية إلى ما يشبه الآثار الخطية والرسوم الحيوانية والنباتية التي تُحفر وتُرسم على جلود الحيوانات، تلك الجلود التي يصنع منها السودان أدواته وقلائده من حقائب وآلات موسيقية إيقاعية وأمتعة ذات أشكال مخروطية وأدوات مزينة بالأصداف والخرز والشراريب الطويلة .. وتتبدى تلك العناصر وكأنها تندمج في النص التشكيلي اندماجاً عضوياً، وكذلك اتحاد اللونين الترابي والأسود في طبيعة البداوة المتصحّرة والكحل الأسود الذي يعطيها ملامحها مع ألوان الغروب البرتقالية. فلكل حركة انبساط للحروف، عند خط السماء الأزرق، يوازيه ثقل ألوان الأرض مع الأخضر والأحمر والبنفسجي. فالتجريد يستعيد ليس صورة الأشياء، إنما ذاكرتها اللونية وجمالاتها التوليفية البصرية.

لذلك تتمتع لوحة شبرين بقراءة تجريدية خاصة، نابعة من معرفة الحداثة الأوروبية ومدارسها لا سيما التجريد الغنائي والهندسي ومن عمق الإستنباط العاطفي لخصوصيات الأمكنة وذاكرة التراث الشعبي والفولكلوري، الخصال التي تجعل لوحة شبرين تبتعد عن الإفتعال العقلاني الجاف لإسقاطات الحرف العربي على اللوحة الحديثة أي ذات الرؤية الغربية لبعض تجارب الحروفيين العرب. هذا الإسقاط المتعمّد الذي ما لبث أن جمد وتوقف .. بينما ظلت أبحاث شبرين وتجاربه اللونية وعالمه التجريدي، تنمو وتتطور في مدلولاتها ورموزها ومناخاتها. فقد بسط شبرين سجادة الكتابات الحروفية ليجعلها مكاناً للعيش وحيزاً بصرياً للتأمل في سحر الطقوس الأفريقية والتراث السوداني المتمرغ بذاكرة حضارة النيل القديم، وعلى حدود الأسود والترابي، أشعل شبرين ألوان البرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق معطياً اللوحة حقها من الإحتفاء باللون والحياة.

تمكن الراحل أحمد شبرين من خلال عقود الزمن أن ينشيء أجيالا من الفنانين  تربت على الفكرة الساحرة التي بشرت بها مدرسة الخرطوم. أن تكون فنانا سودانيا فذلك معناه أن تكون قادرا على المزج بين حضارتين، حضارة وهبتك لغتها هي الحضارة العربية وحضارة عجنتك بخيال سحرتها هي الحضارة الأفريقية.

لم يكن الأمر يسيرا في البداية. كانت المسافة النفسية هائلة بين الحضارتين. فالقبول بإحداهما يعني التخلي عن الأخرى. فالمحيط الأفريقي لم يكن في ظل انتشار حركات التحرر الوطني في مرحلة الستينات من القرن الماضي مستعدا للقبول بما يمكن أن يجره خارج حدوده العرقية والثقافية كما أن مثقفي السودان يومها لم يكن يسعدهم أن ينكفئوا على ثقافتهم العربية في خيانة واضحة لجغرافيا هي جزء من تراثهم الخيالي الذي وإن كان شفاهيا فإنه يشكل مرجعية ثقافية لا براء منها.

لهذا شكل ظهور مدرسة الخرطوم لحظة مقاومة لتيارين فكريين كانا في طريقهما إلى التصادم. لقد أنسنت تلك اللحظة توحش التيارين، فصار ممكنا من خلال ما طرحته من مقتربات أن يكون الرسام السوداني عربيا من أفريقيا.

كانت رسوم شبرين قد مهدت بعناد لذلك المنجز التاريخي، فالرجل الذي سحره صوت وشكل الحرف العربي منذ الطفولة نجح بموهبة لافتة في أن يمزج بين سحر تلك الأصوات وقدرتها على أن تتجسد من خلال أشكال توحي بأشباح لآلهة وثنية. ولم يكن ذلك الإجراء الشكلي مفتعلا، بل انبعث من صميم الصلة العرفانية التي كان شبرين يقيمها مع الحرف العربي، باعتباره همزة وصل صوفية.

 أحمد شبرين من رواد الحركة التشكيلية السودانية. فنان حروفي طليعي من القلائل الذين مزجوا الحروفية العربية بسحر الطقس الأفريقي ضمن رؤى تجريدية حديثة. وهو من مؤسسي مدرسة الخرطوم للفن الحديث، مع ابراهيم الصلحي وأحمد عبدالعال. وهي المدرسة التي عملت على استعادة المظاهر البدائية والزخرفية والقبلية، التي سبق أن ألهمت تيارات المستقبلية والتكعيبية والسوريالية مما أعطى الفن الأفريقي أهمية عالمية في نظريات الفن الحديث خصوصاً مع بيكاسو وماتيس وميرو واستخدام عناصر "ديكورية" من التراث الشعبي والفنون التطبيقية، مع مناظر من الحياة الحضرية والبدوية، في استقراء العمل الفني. وأكثر ما لفت في تجارب هؤلاء الفنانين محاولتهم تطوير لغتهم الرمزية المتصلة بالشكل واللون عبر التركيز على اللونين البني والرمادي وذاكرتهما في تشكيل الملامح البيئية السودانية.

 

إضا?ة تعليقات »
وسيبدأ التسجيل الخاص
المحا?ظة اللقب من كونها
الممثل.

 
   
 
   
 
   
الأحر? () سمح  
 

نسيت كلمة المرور

الدخول

اسم المستخدم :
كلمة السر :


نسيت كلمة المرور | قم بالتسجيل
×

ابعث إلى

اسم :
البريد الإلكتروني :


×